شهداء الحرية

كتبهاأحمد عبد العزيز ، في 16 يناير 2006 الساعة: 06:46 ص

اذكروا شهداء الحرية فلمثل هذا اليوم كانوا يعملون

قدم السودانيون قوافل الشهداء قرباناً للحرية

بقلم /محمد رشوان

حدثنا التاريخ أن شعب السودان عرف الذود عن الوطن والتشبث بالتراب الغالي منذ قديم الزمان ففي اعقاب فتح مصر على يد عمرو بن العاص تحركت قوات يقودها عبد الله بن ابي السرح صوب حدود مصر الجنوبية ولاقت قواته مقاومة صلبة وضارية من النوبة السودانيين ولم تسفر الحملة عن احتلال تلك البقاع بل اكتفى ابن ابي السرح بعقد اتفاقية مع النوبة عرفت في التاريخ باتفاقية البقط . وسرى مفعول تلك الاتفاقية على مدى سبعة قرون .

وبعد ذلك لم يسجل التاريخ احداثا كبيرة الا عندما قرر محمد علي باشا الذي كان يتولى حكم مصر آنذاك - فتح السودان وكان يهدف من ذلك الغزو توسيع رقعة حكمه وتوطيد اركان دولته بعد أن سمع بان بلاد السودان مليئة بالذهب والثروات المعدنية وأن السودان بلاد الرجال الاشداء الذين يستطيعون بسط نفوذ دولته والحفاظ على اطرافها المترامية.

واستقر رأى محمد على باشا على تسيير حملتين احداهما عن طريق النيل لتصل الى سنار عاصمة دولة الفونج ويقودها ابنه اسماعيل باشا والحملة الثانية تواصل سيرها على النيل ثم تتجه عن طريق الصحراء حتى تصل الى الابيض حاضرة كردفان التي كان يحكمها المقدوم مسلم من قبل سلاطين الفور.

وتقدمت قوات اسماعيل باشا المكونة من الشركس والأرناؤوط وغيرهما وعندما أدركت منطقة كورتي خرج لها مقاتلو الشايقية بقيادة شاويش ودارت معركة ضروس ابلوا فيها بلاء حسنا وسقط خلالها العديد من الشهداء الا ان اسحلة اسماعيل باشا الحديثة استطاعت ان تتغلب عليهم .وفي نهاية المطاف ابرم الشايقية اتفاقا مع اسماعيل باشا عفاهم بموجبه من الضرائب ورد لهم اسلحتهم مقابل مشاركته في الحملة المتجهة صوب سنار . وقد كانت مملكة سنار في أسوأ حالات ضعفها ولذلك لم يستطع ملوك سنار مجابهة قوات اسماعيل ولهذا تمكنت من دخول مملكة الفونج وطي صفحتها .ومن جهة اخرى تقدم محمد بك الدفتردار صوب الابيض وقبل ان تصلها طلائعه بعث المقدوم مسلم (وهو حاكم كردفان من قبل سلاطين الفور) برسالة للدفتردار قال له فيه انتم مسلمون ونحن مسلمون ولا داعي لمحاربة المسلم ولكن الدفتردار لم يقتنع بذلك وواصل سيره نحو الابيض وخرج المقدوم مسلم لمقابلته عند مدينة بارا ودارت معركة حامية الوطيس وانجلت عن استشهاد المقدوم مسلم وانتصار الغزاة بسبب استخدامهم لاسحلة حديثة .

وبعد فراغ اسماعيل من مهمته رأى ان يعود الى بلاده ليستقبل استقبال الفاتحين وعندما مر بديار الجعليين في طريق عودته من سنار طلب من زعيمهم المك نمر اعداد كمية من الذهب ومجموعة من العبيد الارقاء ليأخذها الى مصر كهدية لوالده الذي كان شغوفا بذهب السودان ورجاله . غير ان المك نمر اعتذر له قائلا بانهم لايملكون ذهبا او ارقاء لإجابة طلبه . ولم يتوقع اسماعيل الا السمع والطاعة ولذلك غضب من المك نمر ورماه بغليونه .وهنا احس المك بالاهانة امام قبيلته وقرر الانتقام . فقال لاسماعيل باشا حسنا امهلنا حتى نجهز لك ماتريد واليوم سنحتفل بكم وبجنودكم وفرح اسماعيل وجهز لهم المك نمر الولائم والخمور حتى شبعوا وسكروا واثناء نومهم جمع المك نمر حولهم الحطب واحرقهم بمن فيهم اسماعيل باشا ومن نجا من الحرق ارداه الرصاص قتيلا . وطار الخبر الى محمد بك الدفتردار فجن جنونه وقرر التحرك من كردفان للانتقام من جميع من يقابله من اهل السودان وبدأ بالحسانية في النيل الابيض الذين فاجأهم الهجوم وأودى بحياة الكثيرين ومضى الدفتردار شمالا يقتل كل من يصادفه في طريقه حتى وصل ديار الجعليين وهناك دارت معركة قتل فيها عدد كبير من الجعليين وتمكن المك نمر من الفرار الى الحبشة حيث تعقبه الدفتردار وقاتل اخاه مساعد . ورجع الى كردفان ولم يلبث فيها طويلا حتى ترك فيها حامية واعاد الكرة في اطار حملته الانتقامية حتى وصل ديار الجعليين وادت هذه الاحداث الى اقتران صورة الاتراك بكل ماهو قاسٍ وباطش وظالم .

وفي اعقاب فترة التركية التي اذاقت الشعب السوداني الامرين اندلعت الثورة المهدية التي سرعان ما التف الشعب السوداني حولها بعد ان ضاق ذرعا وكره التركية وجورها وظلمها . وبدأت معارك المهدية بمعركة الجزيرة ابا حين هاجمت قوة يقودها ابو السعود الجزيرة ابا واحكم المهدي خطة لمهاجمتهم وقت السحر في اغسطس من العام 1881م بالاسلحة البيضاء وابادوا تلك الحملة ونجا منها القليل الذين فروا بمركبهم . وتوجه المهدي الى قدير ويذكر التاريخ ان امرأة تدعى رابحة الكنانية قطعت المسافة عدوا من النيل الابيض لتبلغ المهدي ان الشلالي باشا يعد العدة للهجوم عليه . وكان لهذا العمل العظيم من المجاهدة الكبيرة رابحة الكنانية دوره في استعداد المهدي لمقابلة عدوه والانتصار عليه ، ولايقل دورها عن مهيرة بت عبود التي كانت تحث رجال الشايقية على مقاتلة ( جيوش الباشا) ثم توجه المهدي لحصار الابيض التي كان حاكمها محمد سعيد (جراب الفول ) الذي اقام خندقا مربعا حول الابيض . وهجمت قوات المهدي فجأة ذات صباح على المدينة وكان المجاهدون يحملون الاسحلة البيضاء فحصدتهم المدافع وكان عددهم خمسين الفا لقى الف منهم ربهم في هذه المحاولة . وامر المهدي رجاله بالتراجع لحصار المدينة .

وحاصرها حتى نفذ كل طعام فيها ولم يجد حاكمها محمد سعيد بداً من التسليم. وسلمت كذلك حامية بارا وحامية الدلنج ودانت بذلك كردفان للمهدي. وارسل حكمدار السودان حملة لمقاتلة المهدي بقيادة هكس باشا ولقيت هذه الحملة هزيمة نكراء على ايدي قوات المهدي في غابة شيكان.

وتوجه المهدي الى الخرطوم وحاصرها قبل وصول حملة الانقاذ بقيادة البريطاني ولزلي وفي 26 يناير العام 1985م دخلت قوات المهدي الخرطوم وقتلت حاكمها تشارلس غردون في القصر. واستطاعت المهدية ان تستمر بعد وفاة المهدي. وحكم الخليفة عبدالله السودان على مدى 16 عاماً، واستطاع عثمان دقنة ان يقدم التضحيات الجسام في شرق السودان حتى تمكن من دحر القوات الموجودة في حاميات الشرق وقدم ايضا تضحيات جساماً وشهداء كثيرين قربانا للحرية .

وفي العام 1989م دخلت قوات الغزو «البريطانية المصرية» السودان وتصدى لها السودانيون ببسالة في موقعة كرري وحصدت الرشاشات الحديثة رجال المهدية حصداً وقتلت منهم زهاء الستين الف مقاتل واستشهد الخليفة عبدالله في موقعة ام دبيكرات وشهد الاعداء قبل الاصدقاء ببسالة رجال المهدية في كرري ولم يدخل المستعمر البريطاني ام درمان إلا على جثتهم وهذه صورة للوطنية الفذة والحرص على حماية الوطن.

وخلال فترة الحكم الثنائي قدم الكثيرون من ابناء الوطن التضحيات الجسام مثل ود حبوبة في الحلاويين حيث شنق في سبيل الوطن في العام 1908م وفي العام 1924م اندلعت ثورة اللواء الابيض التي قادها الضباط السوانيون مؤازرة للقوات المصرية التي رفضت اطاعة الاوامر وقتل في تلك المعركة الشهيد عبد الفضيل الماظ وعدد من رفاقه وتم اسر الزعيم علي عبداللطيف. وفي جبال النوبة قام السلطان عجبنا بثورات ثلاث ضد المحتل الانجليزي وفي يامبيو ثار السلطان يامبيو كما شهدت منطقة النوير ثورة ضد الانجليز الى جانب ثورة الحسين في دارفور - وكل هذه الثورات دليل على إباء السودانيين وشممهم ورفضهم الذل والهوان - وكان لهذه التضحيات الجسام وقوافل الشهداء التي قدمت دوراً كبيراً في وضع السودان خلال فترة الحكم الثنائي فهو لم يكن مستعمرة تابعة لوزارة المستعمرات بل كان تابعاً لوزارة الخارجية - دون كل المستعمرات الاخرى - وكانت معاملة الاداريين البريطانيين تراعي طبائع اهل السودان وإبائهم.

ولا يفوتنا ان نذكر ان السلطان علي دينار توجه الى الفاشر بعد انتهاء حكم المهدية العام 1899م وأسس ملكته هناك وقد دام ستة عشر عاماً وقررت الحكومة البريطانية قتاله وارسلت له القائد هولستون ودارت رحى معركة في برنجية واستشهد فيها السلطان علي وعدد كبير من رجاله.

وهكذا فان كل قوافل هؤلاء الشهداء في شمال الوطن وجنوبه وشرقه وغربه لها دور عظيم في تحقيق الاستقلال الذي نحتفل هذا العام بيوبيله الذهبي- ولولا مجاهدات ابطالنا هؤلاء لما تحققت للسودان المكانة السامية التي استحقها عن جدارة بين دول العالم وبين الشعوب المحبة للحرية والانعتاق. ولم تقتصر جهود اهل السودان ونضالهم على ارض السودان بل دافعوا عن الحرية في فلسطين ومصر والجزائر وغيرها. ندعو الله ان يجعلهم في منزلة الصديقين والشهداء وان يكرم نزلهم كما اكرموا وطنهم

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : شؤون سودانية | السمات:
  دوّن الإدراج  

2 تعليق على “شهداء الحرية”

  1. العزيز احمد عبد العزيز

    اشكرك لادراجك هذا المقال الرائع الذى يسلط الضوء على شعب مجهول او تم تجاهله لا سيما فى هذا الوقت العصيب ..

    انها اضاءة متميزة سيدى

    وفقك الله

  2. سامرمالك محمد قال:

    العزيز احمدعبدالعزيز الشكر كله فى مقالك 000 لقد لفت نظرى فيه ووفقك الله وايانا



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر