أربع وثلاثون مليون نسخة مجموع ما بيع من روايات باولو كويلو حتى الآن ، مائة وخمسون دولة بيعت هذه النسخ فيها مترجمةً إلى أكثر من إحدى وخمسين لغة ، وكان لروايته الشهيرة "الخيميائي" ، التي نحن في صدد الحديث عنها ، نصيب الأسد من هذه الأرقام المذهلة ، والتي علقت كتب باولو على قائمة افضل الكتب مبيعاً لأشهر طويلة في العديد من الدول ، وجعلته يحصد أكثر من أربعة عشر جائزة كبرى ، وينال تكريم العديد من الدول ، منها إيران التي وجهت له دعوة كأول كاتب غير مسلم ينالها.
يتبادر إلى الذهن فوراً التساؤل المحض الذي تطرحه هذه الأرقام الكبيرة ، أيُّ روائي هذا ؟ ، وأي روايةٍ هي الخيميائي ؟ ، إلا أن التساؤل ذاته يتوسَّع تدريجياً بعد قراءة هذه الرواية ليشمل أبعادا أخرى خارج إطار الرواية نفسها ، إلام يعزى نجاح روايةٍ كهذه ؟ ، وما هي الظروف الأخرى التي تقف وراء أرقام التوزيع الهائلة التي ستخلد اسمه في تاريخ الأدب عقوداً وربما قروناً ؟.
يأخذنا اليقين إلى أن أربعاً وثلاثين مليون نسخة .. لا بد أنها أخذت نصيبها من القراء العاديين أكثر من طبقة المثقفين ، وإن كانت قد وجدت عندهم سوقاً رائجة بطبيعة الحال ، ولكنها المعادلة الناجحة التي أخذ بها كويلو حتى استطاع إطلاق روايته بحد أقصى من الانتشار ، والميزان التي يؤرجح كويلو بينهما ذكاءه .. وقدرته الأدبية ، فـتكال له الشهرة وافيةً ، والمجد ضافياً ، وعلى الآخرين أن يتعلموا ..
الكتاب في نسخته العربية أخيراً ، من شركة المطبوعات للتوزيع والنشر ، بطبعةٍ فاخرة ، وجودة طباعة عالية ، وبتقدمة سخية من المؤلف نفسه للنسخة العربية خصيصاً ، ولا غرابة ، فمنذ الصفحات الأولى كان المؤلف يعبر عبر ثقافته عن صداقةٍ عريقة مع الميثيولوجيا العربية في كافة مراحل الرحلة التي قام بها بطله سانتياغو من الأندلس إلى مصر مروراً بطنجة والصحراء الغربية وصولاً إلى الأهرامات.
كنت أفكر أثناء القراءة في اليد التي بسطها المؤلف فمنح روايته كل هذا الانتشار ، بدأت النظريات تتشكل خلف عيني بهدوء عبر صفحات الكتاب السبعة والثمانين والمائة ، بساطة القصة المتناهية كانت تضيق أحياناً على القوام الفلسفي العريض الذي يبنيه المؤلف عبر فصول الرواية ، وهذه إذن نظرية تقول أن القصص البسيطة تجذب قطاعاً كبيراً من العامة ، لا سيما إذا كانت تحمل في طياتها سمتي الترقب والحماس اللذين يصاحبان أدب المغامرة عادة ، إلى جانب الدهشة والتنوع اللذين يرافقان أدب الرحلات. ربما كنا على مقربة من مثالٍ يثبت هذه النظرية .. وهو النجاح الساحق الذي تطير به رواية "هاري بوتر" هذه الأيام ، لقد ثبَّت كويلو أحد متغيرات الرواية .. بنجاح .. البساطة !.
وكان من المريح لي شخصياً أن أجد لقاءً أجري مع باولو كويلو يتحدث فيه عن أسباب نجاحه من منظوره الشخصي ، كان يقول باعتداد : ((البعض يقول انني اكتب من القلب. أنا اكتب فقط عن الأمور التي اشعر بها. وبالنسبة للنثر فإن طريقتي بسيطة للغاية: الحد الأدنى بقدر الامكان ولاسيما التخلص من النعوت والظروف )).
المتغير الثاني بدأ يتضح أمامي من خلال الدروس الحكيمة التي يلقي بها كويلو بسخاء في كل صفحة ، والتي تجبر الأعين المتحفزة على الوقوف بها دقائق للتأمل ، وربما إدخالها مختبر التجارب الذاتي ، وربما تسجيلها في مفكرة .. أو ورقةٍ ما للاعتبار والتمثل ، الأدب الذي يحمل في جيوبه دروساً كهذه ، وجملاً مباشرة .. تخاطب الوجدان الإنساني في رحلة الحياة ، ومحطاتها من السعي والكلل والنجاح والإحباط والسعادة والكآبة والإرادة ، يجد قبولاً واسعاً بين القراء الباحثين عن القناديل الصغيرة في آفاق قراءاتهم ، عندما تشبه رحلة سانتياغو في مجملها .. قصةً حياتيةً مختصرة لكل إنسان في هذه الحياة ، البحث عن الأسطورة الشخصية كما أسماها كويلو.
قوة اللهجة التي تخاطب بها كويلو مع وجدان القارئ كانت تخلق جواً من التفاعل اللاشعوري بين القارئ والسطر الذي يقرأ فيه ، مثل الطاقة التي تنبعث عندما يخاطب الشيخ الفتى قائلاً : (( أيا تكن .. ومهما تفعل ، عندما ترغب حقاً بشيء ما فإن تلك الرغبة تولد من روح الكون ، هذه هي مهمتك على الأرض )) ص 37 ، مثل هذه المصابيح الدافئة قد يكون لها أثراً بالغاً في نفوسٍ منحطمة ، يطبق عليها ظلام ما من الحياة ، هذا م














